إخوان الصفاء
6
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
اعلم ، وفّقك اللّه ، ان معنى قول الحكماء : « الهيولى » إنما يعنون به كلّ جوهر قابل للصورة ، وقولهم « الصورة » يعنون به كل شكل ونقش يقبله الجوهر . واعلم أن اختلاف الموجودات إنما هو بالصورة لا بالهيولى ، وذلك أنا نجد أشياء كثيرة جوهرها واحد ، وصورها مختلفة ، مثال ذلك السكين والسيف والفأس والمنشار وكلّ ما يعمل من الحديد من الآلات والأدوات والأواني ، فإن اختلاف أسمائها من أجل اختلاف صورها ، لا من أجل اختلاف جواهرها ، لأن كلّها بالحديد واحد . وكذلك الباب والكرسيّ والسرير والسفينة وكلّ ما يعمل من الخشب ، فإن اختلاف أسمائها إنما هو بحسب اختلاف صورها ، فأما هيولاها التي هي الخشب فواحدة . وعلى هذا المثال يعتبر حال الهيولى والصورة في المصنوعات كلها ، لأن كل مصنوع لا بدّ له من هيولى وصورة يركّب منهما . واعلم أن الهيولى على أربعة أنواع ، منها هيولى الصناعة ، وهيولى الطبيعة ، وهيولى الكلّ ، والهيولى الأولى . فهيولى الصناعة هي كلّ جسم يعمل منه وفيه الصانع صنعته ، كالخشب للنجارين ، والحديد للحدّادين ، والتراب والماء للبنائين ، والغزل للحاكة ، والدقيق للخبّازين ، وعلى هذا القياس كلّ صانع لا بدّ له من جسم يعمل صنعته منه وفيه ، فذلك الجسم هو هيولى الصّناعة . أما الأشكال والنقوش التي يعملها فيها فهي الصورة ، فهذا هو معنى الهيولى والصورة في الصنائع . وأما الهيولى الطبيعية فهي الأركان الأربعة ، وذلك أن كلّ ما تحت فلك القمر من الكائنات أعني النبات والحيوان والمعادن ، فمنها تتكوّن وإليها تستحيل عند الفساد . أما الطبيعة الفاعلة لهذا فهي قوة من قوى النفس الكلّيّة الفلكية ، وقد بيّنّا كيفيّة فعلها في هذه الهيولى في رسالة أخرى . وأما هيولى الكلّ فهي الجسم المطلق الذي منه جملة العالم ، وأعني الأفلاك والكواكب والأركان والكائنات